ليس أدلّ على هوان العقل وسُقوط المنطق وانكشاف الثقافة والمُثقَّفين والنُّخب التي تُوجِّه الناس، من الجدل العقيم والحملات المُتبادلة بين بلدين عربيين كبيرين كمصر والجزائر على خلفية مُباراةٍ في كُرَة الْقَدَم كان يُمكن أن تمرَّ نتيجتها مُرور الكرام بما تقتضيه الرُّوح الرياضية الصَّرفة، بغضِّ النظر عن العلاقات الأخوية والكفاحية والتاريخية التي لم يَعُدْ العرب يُولونها أيَّة عنايةٍ أو رعايةٍ أو اهتمام، وأصبح همّ السُّلطات شحن الناس بالبغضاء والعداء والاتِّجار بمشاعر البُسطاء لإثبات وطنيةٍ بديلةٍ للوطنية الحقَّة التي كافحت أجيالٌ لإرسائها وإشاعة آفاقها القومية وضروراتها المُستقبلية.
وقد تفرَّغتْ وسائل الإعلام لإذكاء نيران الخلافات وصبّ البنزين على الأوار، وتولَّى الإعلاميون قيادة الْفِرَق المُقاتلة وتجنيد المُحاربين القُدامى والجُدد لتحقيق الانتصارات الوهمية، كما انشغلت أجهزة الأمن بذيول المعركة ومُخلَّفاتها، فأخذت البيانات تَتْرى، ووزارتا الخارجية في البلدين تستدعيان السُّفراء، ولا أدري واللَّه ماذا بإمكان أيّ سفيرٍ أن يفعل في مثل هذا الموقف السُّوريالي، يعتذر ممَّن وعمَّن؟ ويبني ماذا ويُرمِّم ماذا؟
حين يتفاعل الجُنون يصحّ قول أبي العتاهية : «لِدُوا للموت وابنوا للخراب»، ويبدو أنَّ الوطن العربي بكامله على حافَّة بُحيرةٍ من الجُنون، و«مَنْ لم يَمُتْ بالسيف مات بغيره/تعدَّدت الأسباب والموت واحد»، ذلك أنَّ القضايا الكُبرى لم يَعُدْ لها وجود، مع أنَّها في الواقع الملموس أقرب من حبل الوريد، ولكن ليس لها وجود في العُقول والضمائر والعزائم.
حين اشتعلت الثورة الجزائرية جعل منها عبدالناصر العظيم قضيَّة مصر وقضيَّة الأُمَّة، وكان أن أخذت التضحيات تتدفَّق والعالم العربي كُلّه على قلب رَجُلٍ واحد، حتَّى انتصرت ثورة المليون شهيد مُبشِّرةً بمُستقبلٍ لا أجمل وبعالمٍ لا أعدل وبإنسانٍ عربيٍّ لا أزهى ولا أبه




























