
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالات |
مرحباً بكم في آفاق فضل النقيب
لم تتَّسع له الغُربة وقد عاشها وخَبِرَ امَّحاء المُغترب وضياعه وهوانه، ولم يتَّسع له الوطن وقد صاله وجاله حتَّى أصبح من ضحاياه ونالته نصاله بجُروحٍ لم يبرأ منها، فأصبح فمه مُرَّاً لا يسيغ الزُّلال :
«وَمَنْ يَكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ
يجد مُرَّاً به الماء الزُّلالا»
صاول الأيَّام وصاولته، فوجد ملاذه في الدِّين والتديُّن، فأخذ في وعظ مَنْ لا يتَّعظون وخطاب مَنْ لا يفهمون :
«ومن البليَّة وعظُ مَنْ لا يرعوي
عن غيِّه وخطابُ مَنْ لا يفهمِ»
ذلكم هُو «سالم شايف»، الذي وُجِدَ في قريتنا، «القُدمة»، المُعلَّقة بين الجبال اليافعية، مقتولاً برصاصةٍ مجهولةٍ لا يُمكن لأحدٍ الجزم بمصدرها، وإن اتَّجه أغلب الظنّ إلى أنَّه وضع حدَّاً لحياته في عالمٍ مأزومٍ تتلاشى فيه الآمال وتذوي صُروح الأحلام وتتفتَّت قِيَم الإنسان.
مُنذُ البدء كان نسيجاً وحده لا ينتمي إلى القطيع ولا يسير معه، ولكنَّه لا يُعاديه ولا يشقّ عصاه، وكان يُعبِّر عن نفسه المُتوحِّدة ورُؤاه المُتفرِّدة بعُزلةٍ اختياريةٍ يتأمَّل عبرها المصائر التي طاولت أعلاماً وأفنت أموالاً وأسقطت عُروشاً من الوهم والغُرور البشري وتحدِّي الأقدار والخُروج عن المسار.
قابلته مراراً في سُوق 41 أكتوبر، مشغولاً كَمَنْ لا شُغل له، تجده مع الناس وهُو ليس منهم، وتجده خارج الناس وهُو في صميم همّهم، كَمَنْ يبحث عن حقيقةٍ ضائعةٍ في صحراءٍ من الوهم وبحرٍ من السراب، في عينيه ترى الحيرة الشاسعة وقدراً قليلاً من الأمل الصادر عن الرُّوح، فيما الواقع لا يستجيب له، والناس في السُّوق بين بائعٍ ومُشترٍ ينطبق عليهم قول الشاعر :
«كُلُّ مَنْ في الوجود يطلب صيداً
غير أنَّ الشباك مُختلفاتُ»
وسالم ل
مر الدكتور جعفر الظفاري في حياتنا كرائحة الخزامى يأتي بها النسيم البليل ثم تبددها الذاكرة الشاسعة ولكن يبقى منها في الوجدان ذلك الجمال العذب الذي يبقى من الصب بعد زوال الصبابة. كان الدكتور جعفر الاستاذ في جامعة عدن الذي رحل عن دنيانا بلا ضجيج أستاذاً في الكياسة وفن الهدوء العلمي المليء الذي يجيده الكبار ويأنف منه الصغار الذين يعشقون قرع الطبول وترك الدوي دون أن يتعملقوا ليصلوا حد وصف أبي الطيب:
وتركك في الدنيا دويا كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر
كان مطبوعا على السجية مأخوذا بالاكتشافات الممتعة في الدراسات التاريخية وقراءات ما بين السطور من انحيازات الفكر المبرمج وأغلاط المدونين وأغراض ذوي النزوعات العنصرية الذين يتجافون عن الفتوحات البشرية الكبرى في تمجيد الإنسان الخليفة، فتجدهم يخوضون في أوحال السلالات والألوان وذيول التعصب الممقوت، الذي يحول العقول إلى هياكل خشبية لا نبض لها ولا طعم ولا رائحة، ويجعل من التاريخ مزاراً للمرضى الذين لا يرون سوى صورهم في المرآة. آخر مرة رأيت فيها الدكتور جعفر في صومعته بجامعة عدن حين صحبني إليه بإلهام مبهم الصديق حامد جامع مريده وتلميذه وصديقه وقد أهداني مجموعة من مجلة «اليمن» التي تصدر عن مركز البحوث والدراسات اليمنية بجامعة عدن وقرأت في أعدادها بعض أبحاثه المشغولة بعناية ولغة جزلة وخيال خلاق مع قدر هائل من التواضع المعرفي والحوار غير المرئي مع الرأي الآخر، شعرت أمامه أنني أمام خزانة من العلم لايمكن سبرها في جلسة، ذلك أن صاحبها يضن بها على عابري السبيل الذين لا جلد لهم كأنما هو الحلقة الأخيرة في سلسلة العارفين الذين يضيئون الحياة عقب رحيلهم دون أن يكلفوا أحداً عنتاً أو حتى ثناء لا يريدونه ولا يسعون إليه بل ويرفضونه من الأساس كأن قامة مهيبة من النور والشفافية والحس الإنساني العميق والحب الغا
ليس أدلّ على هوان العقل وسُقوط المنطق وانكشاف الثقافة والمُثقَّفين والنُّخب التي تُوجِّه الناس، من الجدل العقيم والحملات المُتبادلة بين بلدين عربيين كبيرين كمصر والجزائر على خلفية مُباراةٍ في كُرَة الْقَدَم كان يُمكن أن تمرَّ نتيجتها مُرور الكرام بما تقتضيه الرُّوح الرياضية الصَّرفة، بغضِّ النظر عن العلاقات الأخوية والكفاحية والتاريخية التي لم يَعُدْ العرب يُولونها أيَّة عنايةٍ أو رعايةٍ أو اهتمام، وأصبح همّ السُّلطات شحن الناس بالبغضاء والعداء والاتِّجار بمشاعر البُسطاء لإثبات وطنيةٍ بديلةٍ للوطنية الحقَّة التي كافحت أجيالٌ لإرسائها وإشاعة آفاقها القومية وضروراتها المُستقبلية.
وقد تفرَّغتْ وسائل الإعلام لإذكاء نيران الخلافات وصبّ البنزين على الأوار، وتولَّى الإعلاميون قيادة الْفِرَق المُقاتلة وتجنيد المُحاربين القُدامى والجُدد لتحقيق الانتصارات الوهمية، كما انشغلت أجهزة الأمن بذيول المعركة ومُخلَّفاتها، فأخذت البيانات تَتْرى، ووزارتا الخارجية في البلدين تستدعيان السُّفراء، ولا أدري واللَّه ماذا بإمكان أيّ سفيرٍ أن يفعل في مثل هذا الموقف السُّوريالي، يعتذر ممَّن وعمَّن؟ ويبني ماذا ويُرمِّم ماذا؟
حين يتفاعل الجُنون يصحّ قول أبي العتاهية : «لِدُوا للموت وابنوا للخراب»، ويبدو أنَّ الوطن العربي بكامله على حافَّة بُحيرةٍ من الجُنون، و«مَنْ لم يَمُتْ بالسيف مات بغيره/تعدَّدت الأسباب والموت واحد»، ذلك أنَّ القضايا الكُبرى لم يَعُدْ لها وجود، مع أنَّها في الواقع الملموس أقرب من حبل الوريد، ولكن ليس لها وجود في العُقول والضمائر والعزائم.
حين اشتعلت الثورة الجزائرية جعل منها عبدالناصر العظيم قضيَّة مصر وقضيَّة الأُمَّة، وكان أن أخذت التضحيات تتدفَّق والعالم العربي كُلّه على قلب رَجُلٍ واحد، حتَّى انتصرت ثورة المليون شهيد مُبشِّرةً بمُستقبلٍ لا أجمل وبعالمٍ لا أعدل وبإنسانٍ عربيٍّ لا أزهى ولا أبه
الوطن هُو ما نبني ونُشيِّد لا ما نهدم ونُبدِّد، والطريق إلى الوطن يحتوي جليل الأعمال، كأن نُشيِّد مدرسةً أو جامعةً أو نشقُّ طريقاً أو نُعلِّم الفلاَّحين كيف يغرسون ويرعون غرسهم وكيف يُسقُّون ويصونون مياههم، وكيف يتعاونون للوصول إلى الأسواق بأبهى صُورةٍ ليُسوِّقوا إنتاجهم، كما أنَّ الطريق إلى الوطن يحتضن بذور التربية الصحيحة في التزام النظام واحترام حُرِّيَّة القول وإعلاء قِيَم النزاهة وإحسان العمل والتواضع الذي يُورث المحبَّة ممَّا يندرج في باب المنظومة القيمية الأخلاقية التي لم يغفل عنها أيّ دينٍ من الأديان، ولم تنهض بدُونها أيَّة أُمَّةٍ من الأُمم، ولو استمعت إلى ما يُردِّده الأفاضل ممَّن أُوتوا العلم أو بعضه حول أسلافنا العُظماء وعُصورنا الذهبية، لوجدت مكارم الأخلاق هي عنوان كُلّ عملٍ باقٍ على الدهر، ولكنَّكَ لو تأمَّلتَ في أعمالنا وفي تعاملنا وما تنطوي عليه النُّفوس والضمائر، لولَّيت فراراً لكي تلوذ بشعاف الجبال أو تلجأ إلى كهفٍ لا يعرفه أحد، حيث ينطبق على أكثرنا مثال الذئب والإنسان اللَّذين قال فيهما الشاعر :
«عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
وصوَّت إنسانٌ فكدت أطيرُ»
الوطن ليس الكلام المُنمَّق والفعل المزوَّق وفصاحة اللِّسان من غير بيان ولا رهافة وجدان، وإنَّما هُو إخلاص النوايا ومُطابقة الفعل الحسن للقول الحسن، وفي هذا تفترق طرائق الناس باتِّجاه حُبّ الوطن أو الإساءة إليه، فرُبّ وجيهٍ يدَّعي ما ليس له في الوطن، يتحدَّث عن حُقوقه وينسى واجباته، «إذا قال كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمن خان»، ورُبّ سياسيٍّ ذَلِق اللِّسان فاقع الألوان، يتحدَّث بالبُهتان ويُريد الناس أن يُؤمِّنوا على كلامه ويُصدِّقوا هَذَيَانه، وإلاَّ اتَّهمهم بالعقوق والخُذلان، ورُبَّ مُؤتمنٍ على أموالٍ عامَّة يُفكِّر ليل نهار كيف يحتال لتحويلها إلى حساباته الشخصية وأغراضه الدنيَّة ورغباته الشهية وغزواته العنت
تحديث الموقع بواسطة خالد فضل النقيب