مرحباً بكم في آفاق فضل النقيب


 

رَحَلَ «الطَّيِّبْ» وَبَقِيَ «الطِّيْبْ»…

كتبهافضل النقيب ، في 19 فبراير 2009 الساعة: 06:33 ص

 تُوفِّي أمس في لندن الأديب السُّوداني الأشهر «الطيِّب صالح» عن (80) عاماً قضى ثُلثها في التحصيل وقطاف عناقيد الثقافة من حُقول المعرفة ومُروج الآداب والتجوال في العوالم التي عشقها وسَحَرَتْهُ زُهورُها وطُيورُها وبناتُها وآلاؤها، وقضى الثُّلثين الأخيرين في مُواصلة الرحلة نفسها وإسعاد القُرَّاء بذخيرته الغنية وعطاءاته السخية في الرواية والقصَّة والمقالة الأدبية وأدب الرحلات ومُختلف فُنون القول الذي كان يندّ ويزهو بلُغةٍ مسكونةٍ بالسحر عَذْبَة الجَرْس شفَّافة المعاني عميقة الإيماء دُون تكلُّفٍ ولا تزلُّفٍ وإنَّما عفو الخاطر وبداهة السجيَّة وإسجاح الأريحية التي عُرف بها أهل السُّودان وجسَّدتها أعماله، فَمَنْ أراد أن يعرف رُوح السُّودان وأعماقه الثريَّة وتجلِّياته النبيلة في مُقاربة الحياة وتشرُّب الثقافة، ما غَبَر منها وما حَضَر، فليقرأ «الطيِّب» الذي ينحت من صخرٍ حين يُفكِّر مُتأمِّلاً، ويغرف من بحرٍ حين يُغمض عينيه، ويغوص في سحر الطُّفولة وألق الصبا وزخم الشباب واقتدار الرُّجولة، وتبدُّد العُمر في مهبَّات الرياح التي تطوي الإنسان طيّ السجلّ للكتاب، فيرحل قبل الرحيل ويتوه في المكان والزمان حتَّى لا يتبيَّن له وطناً ولا يعرف لنفسه سكناً، فيختار اللُّغة مثوى والحرف مأوى والقُرَّاء نجوى والفكر الخالص ملاذاً وسلوى.
«الطيِّب» نِسْمَةٌ عَطِرَةٌ في حياتنا كالربيع، ومُنذُ أن قرأناه في رائعته «موسم الهجرة إلى الشمال» انعقدت بيننا وبينه عُرى صداقةٍ عميقة، ومُروج محبَّةٍ شاسعة، ووشائج ثقافةٍ مُمتدَّة، فقد جاءنا بالنيل السُّوداني محمولاً في مُهَجٍ من الحكايات الرائعة ووشائج من العلاقات الإنسانية الدافقة بلُغةٍ باذخةٍ بالغة الأناقة كأنَّها مكسوَّةٌ برقائق الذهب ومُضمَّخةٌ بالزعفران وأجود عُطور جزيرة العرب.
لَكَمْ كانت مُمتعةً شجيَّةً تلك الأسامير على صفحة النيل، حيثُ الحياة غافيةٌ في شبه حُلمٍ تتدفَّق من نُفوسٍ عَذْبَةٍ قانعةٍ بالقليل تتفيَّأ الظلال كأنَّها تتفيَّأ الجِنَان، وتقرّ أعيناً بالمقسوم، تستعذب الساذج من القول، وتتماهى مع الطبيعة، فيما البطل العائد من لندن قد استحكمه الفِصَام عقب اندفاعٍ حارقٍ لاختراق مُجتمعٍ مُغايرٍ بوسيلتيْ الإبهار والجنس.
كان الراوي يجد مُتعته وهناءه النفسي في مُجتمع طُفولته، الذي أعاد رسمه في الرواية عبر سلسلةٍ من اللَّوحات الرهينة المُشبَّعة بالحنين والشجن، تلك الرواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، التي قدَّمها إلى الجُمهور في الستِّينيات من القرن الماضي في القاهرة، الناقد اللاَّمع «رجاء النقَّاش»، وضعت الأدب السُّوداني الحديث في الصدارة، وقد تهافت عليها القُرَّاء ونال صاحبُها من الشُّهرة عن عملٍ واحدٍ ما عجز عنه كثيرون عبر عُقودٍ من الإبداع والنشر، وهذا إن دلَّ على شيء، فعلى أصالة العمل وسحر اللُّغة التي تُشبه لُغة «جابرييل غارسيا ماركيز» في رواياته البديعة، ثُمَّ إنَّ عالم السُّودان بدا مليئاً بالسحر والغرائبية، ولم يكُن معروفاً بوهجه الداخلي قبل كتابات «الطيِّب»، ذلك أنَّ أُدباء السُّودان قد أكثروا من التنويع على مواضيع الأدب العربي الكلاسيكي، خاصَّةً في تجلِّياته الشِّعْرِيَّة، ولم يُوغلوا كثيراً في مُجتمعهم وما يُقدِّمه من فُرَصٍ نادرةٍ للإبداع والكشف، لكأنَّ «الطيِّب» دلَّهم على هذا الكنز الأُسطوري الذي لا يزال ينتظر الرُّوَّاد بعده.
وقد واصل «الطيِّب» عقب روايته الأُولى، الإبداع في القصَّة والرواية، وإن كان عمله الأوَّل قد وَسَمَه بِوَسْمِه وارتهنه لاسْمِه، أبدع - أيضاً - في المقالات الأدبية، حيثُ ظلَّ على مدى عشر سنواتٍ يكتب في مجلَّة «المجلَّة» السُّعودية اللَّندنية، وكانت كتاباتٍ غير تقليدية، لأنَّها تمتحُ من نهر الحياة ونار التجربة وأصالة الثقافة المُتنوِّعة والرُّؤية الواسعة من خلال الأسفار، علماً أنَّه ما من نبعٍ يستجيب لشغف المعرفة مثل الترحال الذي اتَّسعت أمداؤه الآن، مع ضيقٍ في المُعايشة بسبب الألفة والعادة لدى الكثيرين ممَّن يُسافرون وكأنَّهم لم يُسافروا.
هام «الطيِّب» عشقاً بأشعار «المتنبِّي» وسيرته وقراعه للحياة والأحياء، ولم يَدَع فُرْصَةً تمرُّ للتعبير عن هذا الْوَلَه إلاَّ واغتنمها، وله سلسلةٌ من المقالات في «مالئ الدُّنيا وشاغل الناس»، ارتقى فيها إلى ذرواتٍ من التأمُّل واستكناه مواضع الجمال والجلال لدى أمير الشِّعْر العربي في كُلّ العُصور، وَلَكَمْ كُنتُ شغوفاً بما كتبه، رُبَّما لأنَّني أُشاطره ذلك الإعجاب وأنحو منحاه.
وداعاً أيُّها «الطيِّب صالح»، وسيبقى طِيْبُكَ ما بقي الحرف والقلم.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “رَحَلَ «الطَّيِّبْ» وَبَقِيَ «الطِّيْبْ»…”

  1. [...] Salih, Yemeni Fadhul Al Naqeeb [Ar] writes: «الطيِّب» نِسْمَةٌ عَطِرَةٌ في حياتنا [...]



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



 

تحديث الموقع بواسطة خالد فضل النقيب