مرحباً بكم في آفاق فضل النقيب


 

الديمقراطية كما تكونون…

كتبهافضل النقيب ، في 25 أغسطس 2009 الساعة: 09:06 ص

 ليس لدى الديمقراطية عصا سحريةٌ تُحيي بها الأموات أو تُبرئ الأعمى والأبرص والأكمه أو تُحيل الجاهل عالماً والظالم عادلاً والسارق مُؤتمناً، فإنَّما هي كالماء تأتي به زُلالاً من النبع الرائق، فيأخذ لون الإناء الزُّجاجي الذي تصبّه فيه، ووعاء الديمقراطية هُم الناس، فلا تستغرب إن كانت ثمارها على شاكلتهم، فإن كانوا على قدرٍ معقولٍ من المعرفة والتحضُّر والقُدرة على التفريق بين الغثِّ والسمين، وبين السُّمِّ والعسل، وبين الحقائق والأكاذيب، وبين المُخلصين الصادقين والمُتسلِّقين المُنافقين، جاءت على تلك الشاكلة تسير بالناس هَوْناً وتمضي بهم في طُرقٍ مُعبَّدةٍ لا عِوَج فيها ولا أَمَت، فيزدادون إلى علمهم علماً يرتقون في مدارج الحياة وينال كُلٌّ نصيبه من رغد العيش وفُرص التعليم والتأهيل والمُشاركة في صناعة القرار وفي تصحيح المسار إذا استوجب الأمر وتحتَّم القرار، وإن كان الناس شيعاً يتفاخرون بالجهل ويعتبرونه من أبواب الرُّجولة ويتنابزون بالألقاب، دلالةً على أحسابٍ وأنسابٍ وأعراقٍ وألقابٍ ما أنزل اللَّه بها من سُلطان، يُحقِّرون الفقير ويُعلون المتموِّل، يشمئزُّون من العامل بِعَرَق جبينه ويتقرَّبون إلى مَنْ مأكله حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، فأبشر بديمقراطيةٍ شوهاء تسوم الناس عسفاً وتزيدهم نكالاً وتُدحرجهم نُزولاً بدلاً من أن تأخذ بأيديهم صُعودا، فإذا كان الحُلم للخلاص من الأنظمة الشُّمولية يأتي من هُبوب رياح الديمقراطية، فكيف يكون الحُلم إذا كانت الديمقراطية الشوهاء الكسحاء المُستلبة من مضامينها الحضارية والثقافية والتنموية والأخلاقية، هي التي تُطْبِقُ على أعناق الناس مُدَّعيةً أنَّها تُمثِّلهم وأنَّهم من ستَّتوها وزوَّجوها وزفُّوها في الأفراح واللَّيالي الملاح.
هذه ورطة، وأيَّة ورطة، فكُلَّما دارت الرُّحى لم تطحن سوى الحَبّ المُسوّس الذي تعافه النفس، ولأنَّه إذا كان الدواء المُرتجى هُو المُسبِّب لمرضٍ أكثر فتكاً، فلأيّ النطاسيين يذهب المريض الذي يرى الموت بين النطع والسيف كامناً، يُلاحظه من حيثما ما يتلفَّت؟ هل ترى كان نزار قبَّاني على حقٍّ عندما قال : إن كُنتَ حبيبي ساعدني كي أرحل عنك، أو كُنتَ طبيبي ساعدني كي أُشفى منك؟ يُذكِّرني ذلك بقول شاعرٍ قديم :
«إلى الماء يسعى مَنْ يغصُّ بلُقمةٍ
إلى أين يسعى مَنْ يغصُّ بماءِ»
لا أُريد أن أضرب مثلاً بنا، لأنَّ النسمة تجرحنا إذا انتُقدنا، بينما المخرز يرتدُّ عن أعيننا كأنَّها من صُوَّان إذا كُنَّا نحنُ الناقدين، لكن، لنبتعد عن طريقة «هذا إليك واسمعي يا جارة»، فديمقراطية لُبنان التي يُضرب بها المثل، ماذا أنتجت عدا الطائفية البغيضة وتثبيت ملوك الطوائف الذين يعتبرون أنفسهم أصحاب الحقّ الإلهي، وفي حَلَبَة صراع الديكة المُدارة بالريموت كنترول من الخارج تزرع بذور الحرب الدورية التي تأتي على أرزاق الناس وتستحلّ دماءهم وتُشرِّدهم في الآفاق، فيما ملوك «الزواريب» باقون على عروشهم المُوشَّاة بالجماجم والمُعمَّدة بالدماء، ومهما قلَّبت الأمر على وجوهه، فلن تجد حلاَّ لهذه الأحجية التي واجهها شاعرٌ عربيٌّ كان يحلم بالأندلس، الفردوس المفقود، فلمَّا حلَّ فيها ولَّى منها فرارا :
«ممَّا يُزهدني في أرض أندلسٍ
أسماءُ مُعتمدٍ فيها ومُعتضدِ
ألقاب مملكةٍ في غير موضعها
كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد»
وحتَّى تتألَّف الحُكومة اللُّبنانية التي وأدتها الديمقراطية بين الثُّلث المُعطَّل والثُّلثين التي لا تُودِّي ولا تجيب، فإنَّ لنا حديثاً آخر.
تأمَّل ديمقراطية حماسستان في غزَّة كيف انقلبت مُلكاً عضوضاً للقائد الضرورة والحزب الذي لا صوت يعلو على صوته، وانظُر إلى ديمقراطية طبينتها فتحستان في الضفَّة، كيف نخرها الفساد فأضحت كالثوب البالي كُلَّما رقَّعته في مكانٍ انبعج في مكانٍ آخر.
متِّع ناظريكَ بديمقراطية العراق التي تتنقَّل على ظُهور السيَّارات الملغومة وتُؤجِّج الطائفية والمذهبية والعرقية حتَّى لم يَعُدْ الناس يعرفون مَنْ هُم وإلى مَنْ ينتمون بعد أن أصبحوا كالأيتام على موائد اللِّئام من العصابات والميليشيات ومصَّاصي الدماء وقُطَّاع الطُّرق، كان يُفترض بالأحزاب أن تكون الطليعة في مسيرة الحُرِّيَّة والديمقراطية، وأن تُضحِّي في سبيل ذلك، لأنَّها الأكثر وعياً بتعقيدات الواقع، لكنَّها في الوطن العربي، ورُغم الجعجعة، أحزابٌ مصنوعةٌ من الفخار تنقاد للعامَّة بدلاً من أن تقودهم، تُهاوش الحُكومات بالنهار، وتأكل من فُتاتها باللَّيل، أمَّا إذا أردت الظفر بالديمقراطيات الإسلامية، فعليكَ بإيران، جنَّة الديمقراطية في قاع الجحيم، وقد كانت تلعب طوال الثلاثين عاماً في ساحات الآخرين، ناسيةً أنَّ بيتها من زُجاج، حتَّى جاءتهم الصاخة فإذا هُم مُبلسون، وغداً سيتهاوى الأتباع كأوراق الخريف، فالتاريخ لا يلعب النرد، وإنَّما يرتدّ صاعاً بصاعٍ ومكيالاً بمكيال، وَمَنْ يزرع الشوك لا يجني العنب.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الديمقراطية كما تكونون…”

  1. الكريم فضل النقيب سلمت وسلمت يمينك كل عام وانت بخير وصدق وحرية .. تقديرى واحترامى . هنـد المصرية



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



 

تحديث الموقع بواسطة خالد فضل النقيب