الفيل وحرمه المصُون…
كتبهافضل النقيب ، في 7 نوفمبر 2009 الساعة: 10:44 ص
دعا مُؤتمر حركة التأليف والنشر، الذي انعقد في بيروت يومي 1 و2 أكتوبر الماضي، إلى عقد قمَّةٍ عربيةٍ ثقافيةٍ على غرار القمَّة الاقتصادية التي التأم شملها في الكُويت، والتي استبشرنا بها خيراً على أساس أنَّها قمَّةٌ نوعيةٌ موضوعيةٌ غير ما عرفنا من القمم الصاخبة الاستعراضية التي تبدأ مُتوهِّجةً بالآمال وتنتهي كالماء المسفوح في الرمال، ومع ذلك فإنَّ تلك القمَّة الاقتصادية اليتيمة قد أشبعتنا جعجعةً، لكنَّنا لم نَرَ طحيناً حتَّى اللَّحظة، ولا أدري إذا كانت فكرة القمَّة الثقافية بحدِّ ذاتها ستروق للزُّعماء العرب، أم أنَّهم سيلفظونها لفظ النواة، لأنَّ بينهم وبين الثقافة في مضمونها العميق بُوناً شاسعاً، فهُم مشغولون بتسييس الثقافة وترويضها وتدجينها لتكون ماسحة جُوخٍ أو حاملة مبخرةٍ أو بوقاً إعلامياً مسخاً، وليسوا معنيين بتثقيف السياسة وتنقيتها من أمراض الشخصنة والأفكار المُتحجِّرة والتخلُّف المريع الذي جعل أُمَّة العرب أُضحوكةً بيد الأُمم.
وكان مُؤتمر حركة التأليف والنشر قد فوَّض الأمير خالد الفيصل، رئيس مُؤسَّسة الفكر العربي، بتوجيه هذه الدعوة لعقد القمَّة إلى السيِّد عمرو مُوسى، أمين عام جامعة الدُّول العربية، ليقوم بدوره بمُفاتحة الزُّعماء، لعلَّ وعسى.
وفي خطابٍ وجَّهه الفيصل إلى مُوسى أوضح «أنَّ الأزمة الثقافية ليست أقلّ خُطورةً على المُجتمع العربي، وإن اختلفت مظاهرها وتباينت آثارها وانعكاساتها، وإذا لم نُواجه هذه الأزمة الثقافية بالسُّرعة اللاَّزمة والآليات والاستراتيجيات الكفيلة بالتصدِّي لها، والتي صار من الضروري أن تصدر من أعلى مُستويات القرار السياسي، فإنَّها تُنذر بالتحوُّل إلى أزمة كيانٍ ووجودٍ حضاريٍّ للأُمَّة بكاملها».
لم يستعرض خالد الفيصل واقع الثقافة العربية وانكساراتها المُريعة والمُهدّدات المُستجدَّة التي لم تَعُدْ انتقائيةً وإنَّما كاسحةً عبر مُعطيات العولمة وثورة الاتِّصالات وضمور اللُّغة العربية، لأنها لم تَعُدْ «تؤكِّل عيش»، وانهيار المنظومات التعليمية التقليدية لعدم مُجاراتها للتطوُّر، وكذلك انقراض العادات القرائية لدى الأُسر العربية وهوان الكتاب العربي على أهله ومعه هوان المُبدع الذي يشعر أنَّه يحرث في البحر، فترى المُثقَّفين في مقاهي عواصم العرب كالسُّكارى وما هُم بسُكارى، استمراراً للَّعنة التي أطلقها أجدادهم مُنذُ أكثر من ألف عامٍ عندما شاع عن ألسنتهم القول : إنَّ فُلاناً من الناس كان في بسْطةٍ من العيش حتَّى لحقته حِرْفَة الكتابة، بمعنى أنَّ الذي يبيع البطِّيخ أو الفجل على قارعة الطريق هُو أسعد حالاً من الذي يبيع أفكاره وإبداعه في سُوق الكساد.
قُلتُ إنَّ الأمير لم يستعرض هذا الواقع المُزري، رُبَّما لأنَّ الأمر يحتاج إلى مُجلَّداتٍ لن يجد عمرو مُوسى، المشغول بهُموم العرب التي هي أغزر من شَعْر رُؤوسهم، الوقت لقراءتها، حتَّى إذا قرأها ورفعها إلى أُولي الأمر والنهي، فإنَّهم ما إن يروا تلك المُجلَّدات حتَّى يصرفوا النظر عن وجع الدماغ هذا، و«يا دار ما دخلك شرّ»، ورُبَّما لأنَّ الأمير، من واقع خبرته المديدة بكواليس السياسة والقرار، يعرف أنَّ «خير الكلام ما قلَّ ودلّ»، لأنَّه إذا أمعن في التفاصيل ستكون الخلافات المُعتادة بعددها، وهذا سرٌّ سابقٌ لأوانه، ورُبَّما فكَّر أنَّ المعروف لا يُعرَّف، فالأزمة المُستحكمة أوضح من عين الشمس في كبد السماء، والأمر لا يحتاج إلى استدلالٍ أو أدلَّة، وعلى رأي أبي الطيِّب المُتنبِّي :
«وليس يقرُّ في الأذهان شيءٌ
إذا احتاج النهار إلى دليلِ»
وأنا أرجو وأتمنَّى أن لا يسيل لُعاب المُثقَّفين العرب على موائد المنِّ والسلوى، التي ستدعوهم إليها القمَّة، على فرض أنَّها انعقدت، ذلك أنَّ الأُمور والعواقب قد تأتي وبالاً نكالاً، فالبيروقراطية العربية المُتفشِّية - ولا أقول الفاشية، لأنَّها قد تُفهم خطأ - ستتلقَّف الثمار لتصوغ منها القُيود بدلاً من أزهار الحُرِّيَّة، فيكون حالنا كحال المدينة التي نُكبت بفيل الملك، فلمَّا أجمع الناس أمرهم على مُفاتحة وليّ الأمر انعقدت ألسنتهم وهُم يرون سيفه المسلول ولسانه يهدر كالرعد : ماذا فعل بكم هذا الفيل الطيِّب الوديع يا أوباش؟ ولأنَّ سلامة الرأس فائدة، فقد أجابوا : يا مولانا، الفيل بحاجةٍ إلى فيلة تُؤنسه، وهكذا أحضروا الأُنثى على نفقتهم، فأخذ الفيل وحرمه المصون يُصبِّحانهم ويُمسِّيانهم، ولا عزاء للجُبناء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالات | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























