مرحباً بكم في آفاق فضل النقيب


ذكريات من صنعاء (1)

ديسمبر 31st, 2005 كتبها فضل النقيب نشر في , ذكريات صنعاء

 
هزّني الشوق لارتياد أجزاء من صنعاء القديمة عَلِقت بالذاكرة كما يعلق النقش في الحجر. قلت لعلها قد هرمت وتناوشتها يد البلى فأقف عليها كما كان الشاعر الجاهلي يقف على الأطلال.
أخذت طريقي من فندق تاج سبأ صُعوداً في شارع علي عبدالمغني حتى ميدان التحرير، على يمين البيت الذي استضافني أنا وزميلي محمود الحاج نهاية عام 1973م حين قررنا عدم العودة الى عدن والبقاء في صنعاء.. فوطن اليمنيين هو واحد وإن كانوا شتى، كما قال لنا القاضي عبدالرحمن الارياني -رحمه الله، وكان الإحراج الوحيد هو عودة استاذنا الشاعر محمد سعيد جرادة -رئيس الوفد- وحيداً، الأمر الذي قد يعرضه لبعض المخاطر بعقلية تلك المرحلة، وعلى الأقل عدم إتاحة الفرصة أمامه مرة أخرى للسفر ووضع خط أحمر على حركته أو وضعه في القائمة السوداء التي تمثلت بعدئذ بقانون «صيانة الوطن» السيئ الذكر.
في ذلك المنزل الذي مررت به، كما كان يمر قيس بديار ليلى، كان مضيفنا عبدالله الضالعي علماً على المروءة ورمزاً للكرم والاريحية، وهن

المزيد


ذكريات من صنعاء (2)

ديسمبر 30th, 2005 كتبها فضل النقيب نشر في , ذكريات صنعاء

تحدثت في زاوية الخميس الماضي من «ذكريات من صنعاء» عن محاولة لاستعادة المكان والانسان عبر الزمن الذي يتسرب من بين أصابعنا كما يتسرب الماء وقد يتسرب عبر الفوالق الزلزالية التي تحدثها فينا الأيام والليالي فنغرق في الركام وتحت الانهيارات إلاّ من لمعات تضيء الذاكرة في بعض المناسبات ومنها العودة الى عين المكان في زمن آخر وبعيون أخرى.
تحدثت عن مساوى احمد مساوى الحكمي الذي كنت أواخر عام 73م واوائل عام 74م أخترق اليه الشارع المتفرع من علي عبدالمغني الى منزله العامر المحاط بحديقة غنّا في بستان السلطان، وكان الرجل قد عاد من عدن محطماً يعيش ليومه ويقود جواد حياته باتجاه الرحيل الى ماوراء الشمس، ولكن الكرم التهامي لم يفارقه، كما لم تفارقه تلك الألمحية التي هي نتاج استعداد فطري وتعليم ديني وثقافة حديثة وتطلع الى ان يكون شيئاً مذكوراً في عالم السياسة والوطنية، فألف رحمة عليه.
ونزولاً في بستان السلطان ان لم تخني الذاكرة كان منزل الاستاذ عبدالله البردوني آنذاك وكنت أزوره بين فينة وأخرى، وكان بيته مفتوحاً كقلبه، وعقله منفتحاً تتعايش فيه الثقافات وتتحاور، اما شعره فيوزع كالمنشورات السياسية الممنوعة، ولم يكن ر

المزيد


ذكريات من صنعاء (3)

ديسمبر 29th, 2005 كتبها فضل النقيب نشر في , ذكريات صنعاء

كان ذلك في أوائل عام 1974م كما سبقت الإشارة، وكنت أنا وصديقي محمود الحاج نتنسم بواكير نسائم الحرية في صنعاء بعد ان غادرنا عدن التي صبرنا وصابرنا فيها حتى غيض الصبر وانعدم الأمل تماماً وهو مايعد من أكابر البلايا التي يصاب بها الانسان، وكنا نردد من باب تعزية النفس وإلهائها «لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس» ولكن اليأس كان يترصدنا في كل مرصد يلوح لنا ولسان حالنا يردد مع مطهر الارياني «صبرت صبر الحجر في مدرب السيل واكثر».
كانت هنيهات من الأمل الوليد أرخت صنعاء من ودها عليه ضفائر المحبة وسحر الجلسات وكرم الأصدقاء ومنهم عبدالودود سيف الذي لازمنا كمن يخشى علينا حتى من النسمة تجرحنا. واسماعيل الوريث الذي استضافنا في منزله الكائن في مكان ما، متفرع من شارع عبدالمغني حيث شعرنا بأنه يفهمنا دون ان نتحدث وتلك من عطايا الشاعرية المرهفة والتعاطف الانساني، هبة الله لمن يحبهم، ومحمد المساح الذي كان آنذاك ضائعاً مثلنا يخبط الأرض خبط عشواء يوزع نفسه على الناس، كل الناس، كأنه المعني بقول الشاعر:
أقسم نفسي في جسوم كثيرة      وأحسو قراح الماء والماء بارد
ولقد كان الماء حقاً بارداً في بيت المساح، ذلك الدهليز ال

المزيد


ذكريات من صنعاء (4)

ديسمبر 28th, 2005 كتبها فضل النقيب نشر في , ذكريات صنعاء

جلست الى محسن الجبري بمسجله العتيق عام 1963 على باب اذاعة صنعاء فهو يحب العمل في الهواء الطلق والاندماج مع الناس، وقد سجلت قصيدة آنذاك تحية للثورة والثوار، وكان اليمن بأكمله قد تحول آنذاك الى قصيدة وبندقية، فالجبال تقاتل والحقول تقول الشعر وتردد مع ايوب طارش زميلي في المعهد العلمي الاسلامي بعدن:
إرجع لحولك كم دعاك تسقيه                      ورد الربيع من له سواك يسقيه
وكانت الدعوة مبكرة جداً لعودة مئات الآف المهاجرين الذين اصبحوا المورد الاول للنقد النادر «العملة الصعبة» لعقود متعاقبة قبل أن يتم اكتشاف البترول.
وفي السبعينات جاء محسن الجبري الى عدن وعملنا سوية في الاذاعة، وهاهو عام 2005م يطل والجبري يدندن كأن الزمن لم يمر به، وكلما رأيت مبنى الاذاعة اتخيله هناك حاملاً المسجل في مقدمة جبهة الاذاعة التي كانت آنذاك في مقدمة الصفوف.
لصنعاء صورة غامضة ملتبسة في ذهني ترسبت في مدينة قعطبة حيث كنت ادرس مع حوالى 400 طالب من ابناء يافع الذين انشأ لهم الامام احمد مدرسة خاصة خرجت اجيالا من المتعلمين ومن اساتذتنا في ذلك الوقت، قاسم المصباحي، حسين سريع، عبدالله المساجدي، عبدالله الثور، عبدالله صادق وغيرهم.
وقد حدث ذات يوم اقتتال ب

المزيد


ذكريات من صنعاء (5)

ديسمبر 27th, 2005 كتبها فضل النقيب نشر في , ذكريات صنعاء

 عرف أستاذنا الشاعر محمد سعيد جراده بـ السرحان، أو الطوسان على حد التعبير العدني القابل للاشتقاق وله في ذلك حكايات تروى وإذا ما دخل الحالة تجده معك ولكنه غير موجود تماماً فإذا ما نبهته فز واحتاج الى وقت للعودة الى نفسه وهو غالباً يلهيك عنه بسؤال او سؤالين متتابعين يسترد خلال انشغالك بالإجابة عنهما أنفاسه اللاهثة القادمة من زمن بعيد لا تستطيع تحديده أو تخمينه. وقد لا يكون لسؤاله أو سؤاليه أية صلة جادة بالموضوع الذي كنتما تتحدثان حوله قبل الطوسان ولكنها حيلة نفسية لإبعاد الفضوليين عن عالم خاص جداً ربما كان أجمل العوالم التي عاشها ذلك الشاعر الكبير الذي لم ير من الحياة إلا خلب الأماني وبقدر ما كان يمحضها الوفاء كانت تنأى عنه بالجفاء.
ولصنعاء في ذاكرة الأستاذ الجرادة خمائل من المعاني الجميلة والجليلة وذكريات بعد بها البعد ولكنها لم تفارق مدارج روحه وكان يجد نفسه فيها مهما غاب عنها وكأنه لم يبارحها فتراه في صنعاء كأنه صنعاني كما كان في عدن ذلك العدني الصاخب وحين قرأت رسائله من تعز التي بعث بها لصديقه عبده سعيد الصوفي أدركت أنه كان كذلك في تعز.
ولا تشوب لغة الأستاذ المحكية شائبة تدل على مكان ما فهو العروبي الفصيح اللسان دون تقعر وإنما بسلاسة مرتبة وقيافة وهندمة لا يجيدها سوى الضليعين من الناس في كل فن من فنون الحياة وكان موسوعة أدبية وفقهية وفكاهية وحفاظة لا يشق

المزيد


ذكريات من صنعاء (6) وهل يخفى القمر..؟

ديسمبر 26th, 2005 كتبها فضل النقيب نشر في , ذكريات صنعاء

كان الشاعر الكبير الاستاذ ابراهيم الحضراني يجلس على كرسي خشبي هزيل في زاوية من مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بصنعاء يمسح المكان بعينيه المغرورتين ونظراته الدافقة المليئة بالحنان والشفافية وبجانبه، أميل الى ان تكون مطلة من على كتفه الايمن كانت تجلس على كرسي مماثل ابنته المضيئة الوجه بلقيس الحضراني ترهف سمعها لكل كلمة يقول لها، وتصفق بعينيها وبدمدمة اقرب الى ان تكون لغة خاصة بينهما وكأنما لتشجع المتحلقين على أن ينهلوا من معرفة الاستاذ الحفاظة الذي يرسم بالكلمات ويحلق بأجنحة الخيال، اما في الأدب الشعبي ومحفوظاته فلدى الاستاذ غررٌ وآيات ونوادر والتقاطات تجلو صدى الليالي والأيام وتكشف عن الخالد الذي يتعب الزمن ويبليه قبل ان يتعب.
بدت بلقيس حافظة لدورها جيداً ، كأنما في فيلم سينمائي: تشابك كفيها ثم تسندها بطولي ذراعيها على كتف الاستاذ بحنان لا يثقل وبحب لا يخاف وحين يتمثل الاستاذ بقول الشاعر الشعبي: أمسيت من فقر ليلة.. ترتد بلقيس سريعاً الى ا

المزيد


ذكريات من صنعاء (8) رأيتهما معا..

ديسمبر 25th, 2005 كتبها فضل النقيب نشر في , ذكريات صنعاء

أخيراً التقيته في مركز الأبحاث والدراسات في صنعاء، وكان الزمن قد أحنى ظهره قليلاً وأثقل خطواته، ولكنه لم يستطع إطفاء التوهج الإنساني الذي يشع من عينيه والتفاؤل الذي يمنحه بالفطرة لكل من يتحدث إليه، وتلك النسمات الشذية من قطوف الآداب التي يطرز بها حديثه دون تكلف.
كان يسير إلى جانب الدكتور عبدالعزيز المقالح كأنهما توأمان:
اليدان معقودتان خلف ظهريهما، وكلاهما خط الشيب شعره والحديث متصل هامس لا يأنس إلى ضجيج اللامعنى المحيط بهما والذي يحاول اختراقهما بين الحين والآخر فيردانه رداً كريما لكأنهما من الفلاسفة المشائين الذين شغلوا الدهر درحاً من الزمن، وعلى سيمائهما يبدو الزهد حد الازدراء لما يتقاتل الناس عليه، ويتعجبون منهما كيف لا يخوضان فيه وهما المرموقان المؤهلان اللذان يجمع عليهما الخاصة والعامة.
ولكنهما كما بديا لي آنذاك في شغل شاغل من نفسيهما واهتم

المزيد


التالي



 

تحديث الموقع بواسطة خالد فضل النقيب